ملا محمد مهدي النراقي
216
انيس المجتهدين في علم الأصول
فصل [ 3 ] ينقسم الخبر باعتبار آخر إلى متواتر وآحاد . والمتواتر : خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه . وقيل : أخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب « 1 » . والحقّ - كما ذهب إليه أكثر العقلاء - : أنّه يجوز تحقّق خبر يفيد بنفسه العلم ؛ لكثرة المخبرين ، وقد وقع ، كالخبر بوجود البلاد النائية والأمم الماضية ، كمكّة وسائر المدن المعروفة ، والأنبياء وباقي الأقوام المشهورة . فإنّا نجد من أنفسنا العلم بها كما نجد منها العلم بالمحسوسات ، ولا ريب في استناد علمنا إلى الخبر . وخالف السمنيّة « 2 » والبراهمة « 3 » في ذلك ، فقال قوم منهم : لا يمكن تحقّق خبر يفيد العلم ، بل الممكن تحقّق ما يفيد الظنّ « 4 » . وقال آخرون بإمكانه فيما يوجد في زمان الخبر ، لا فيما سلف . واحتجّوا بوجوه ضعيفة : منها : أنّه كما يجوز الكذب على كلّ واحد منهم حالة الانفراد ، فكذا يجوز عليه في حالة الاجتماع ؛ فإنّ الجملة هي الأفراد بشرط الاجتماع « 5 » . والجواب : أنّ حكم الجملة قد يخالف حكم الآحاد ، وهذا بديهيّ . ومنها : لو حصل القطع من الخبر المتواتر لما فرّقنا بين ما مثّل ، وبين علمنا بأنّه لا واسطة بين النفي والإثبات ، وبأنّ الأربعة زوج ، مع أنّ الفرق ظاهر « 6 » . وجوابه : أمّا على القول بكون العلم الحاصل من المتواتر نظريّا « 7 » : فظاهر ؛ لأنّ الفرق باعتبار النظريّة والضرورة .
--> ( 1 ) . ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 69 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى : 153 . ( 2 ) . في القاموس المحيط 4 : 238 ، « سمن » : « السّمنيّة - كعرنيّة - قوم بالهند دهريّون قائلون بالتناسخ » . ( 3 ) . المصدر : 81 ، « برهمة » : « البراهمة قوم لا يجوّزون على اللّه تعالى بعثة الرسل » . ( 4 ) . راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 481 . ( 5 و 6 ) . راجع معالم الدين : 184 . ( 7 ) . نسبه السيّد المرتضى إلى أبي القاسم البلخي ومن وافقه في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ونسبه ابن الحاجب إلى الكعبي والبصري في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152 .